اعتذر لجميع الاعضاء لتأخري في الاعلان عن وفاة الوالد وذالك لانشغالي الدائم وقلة جلوسي على النت ... واليكم التفاصيل
سكوفيولد اليتيم
كانت الساعة لم تشر الى السادسة بعد حين استيقظت من النوم على صوت والدتي تصرخ وتخبرني بأن الوالد لم يرجع الى المنزل بعد
وان هناك عمال آسيويون ابلغوا الخادمة بخطب ما للوالد في الخارج,
اتجهت نحو الباب مسرعا حافي القدمين،ركضت بأقصى سرعتي نحو المسجد .
وجدت الوالد جالسا على كومة من رمل البناء ماداً رجليه الى الامام ومستقبلا القبلة. على عجلة فتحت ازرة ثوبه وقربت اذني من صدره لكي اسمع نبضات قلبه فإذا بي اسمع دقات قلب سريعة ,
نظرت في وجه ابي متعجبا مما سمعت؟!!
طبقت فمي على فم الوالد بعد ان لاحظت توقفه عن التنفس ونفخت فإذا بالهواء يخرج من صدره كما دخل،
استدركت بأن الدقات التي سمعتها كانت دقات قلبي المتسارعة لاني ركضت بأقصى سرعة, ضربت بيدي على صدره مرات عديدة ،
وغسلت وجهه بالماء دون جدى ,
حدث كل هذا في ثوان قليلة بينما اخي يستنجد الاسعاف ويصف لهم العنوان بالهاتف. في هذه اللحظة اجهشت بالبكاء ومر علي شريط ذكريات الـسنين التي قضيتها في ظل رعايته واهتمامه وعطفه ولم اكن مستوعباً انه حان موعد الرحيل.
تمالكت نفسي وبدأت انظر حولي لأرى ان كان هناك أية آثار للزحف او اصابة توحي بأن الوالد قد وقع ،
وتعجبت حينما لم ارى اي أثر وكأن الوالد قد تعمد الجلوس على الرمل وبدأت اسأل المصلين من الجيران الذين تجمهروا حولنا
ان كان احد منهم قد صلى الفجر في المسجد هذا الصباح وسلك نفس الدرب،
فقدر الله ان جميع الذين سألتهم لم يصلوا الفجر بالمسجد ماعدا جارنا ابا محمد فقد ذهب للمسجد بالسيارة كعادته ولم يلاحظ موقع جلوس الوالد بسبب ضيق الممر وكومة التراب الرفيعة .
سبحان الله يسلك هذا الدرب اكثر من خمسة مصلين يوميا ولم يمر احداً منهم هذا الصباح!!!
كان الوالد جالسا وفاضت روحه الى بارئها ولم يره احد الى أن وصل عمال البناء لمباشرة العمل فإذا بهم يرونه جالس على كومة التراب
،عرفوه من اول نظرة فقد كان يجلب لهم بعض الطعام بين الحين والآخر وكانوا يعرفونه لكونه يسلك هذا الطريق يوميا الى المسجد،
فلم يترددوا في طرق باب منزلنا.
مرت الدقائق كالساعات الى ان وصل الاسعاف وبعد الفحص اعلنوا الوفاة بسبب هبوط في الدورة الدموية.
حضرت الشرطة ومنعونا من تحريك الوالد من مكانه الى ان انتهوا من اجراءاتهم التي استغرقت اكثر من ساعتين .
سبحان الله ان ملك موت يفضح العباد سواء على معصية او على عبادة،
الوالد لم يكن معروفا في الحي كونه هادئ الطباع وقليل الكلام ولم يمر علينا اكثر من خمس سنوات تقريبا من انتقالنا الى هذه المنطقة (الحجيات)
فلم يكن معروفا سوى لدى القليل من رواد المسجد وبعض الاصدقاء، فأدركته المنية في طريق عودته من المسجد،
لم يمهله ملك الموت خطوات معدودة ليصل لمنزله ودنياه ويموت بين أحضان أسرته لكنه خرج لعبادة ولم يرجع،
فعرفه الجميع مع بزوغ فجر يوم الاثنين والناس في طريقها الى العمل والمدارس فحظروا الجنازة والتعزية بفضل من الله سبحانه.
وصلنا الى المسجد قبل صلاة العصر لتحضير الوالد يرحمه الله وغسله, باشر المغسل جزاه الله خيرا بغسل الوالد،
كان غسله سهلاً ولم يخرج منه اي ريح او غائط أو ماء قط ولله الحمد،
واختمنا الغسلة الثالثة والاخيرة بماء زمزم المبارك , وعند البدء بتسجيل البيانات استغرب المغسل حين علم ان عمر الوالد 64 عاما فقد كان جسمه يوحي بأنه في الاربعينات ولم يظهر عليه من علامات الكبر غير الشيب في كل من لحيته وشعره.
وبعدها حظر الاهل لتوديعه فإبتسم الوالد لدرجة ان اسنانه بانت بوضوح وخرجت الغمازات المعروفة لابتسامته قرب عينيه وكانه يطمئن قلوبنا ويودعنا وانه سعيدا بحظورنا .
وقد لاحظت تغير لون وجهه لدرجة اني لم استطع تحديد مكان السواد البارز في وجهه عند موضع السجود, لو نظرت في وجهه لرأيته نائما في ابها صورة.
حظر جمع غفير من المصلين لجنازة الوالد ومتلئ فناء الجامع لدرجة ان آخر شخص دخل من بوابة المقبرة وقتها كنا قد وصلنا الى القبر وباشرنا الدفان لقد كان الدفان الوالد سريعا وميسورا ولله الحمد.
قال تعالى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)
سورة النساء
حينما نادى المنادي في آخر الليل (الصلاة خير من النوم)
استيقظ الوالد من النوم كعادته وتوضئ وذهب الى المسجد والناس نيام وصلى الفجر مع الجماعة وبحسب قول صديقه في المسجد فإنه كغير عادته تعجل الخروج ولم يمكث كعادته بعد الصلاة
واثناء رجوعه الى المنزل قعد في منتصف الطريق على كومة من رمل البناء وانتقلت روحه الى بارئها.
اعتاد الوالد من بعد تقاعده من العمل ان يمكث في المسجد من بعد صلاة الفجر الى شروق الشمس حتى ان امي ارسلت اخي في احد المرات تستعلم سبب تأخيره فوبخها وأمرها ان لا ترسل له احدا وان لا تقلق .
وكان الوالد قوي البنية ويمارس رياضة المشي باستمرار وكان بصحة وعافية رغم كبر سنه ولم يشتكي إلا من داء السكر وكان ولله الحمد حريصا على صحته وقليل التردد على المراكز الصحية,
وفي ليلة وفاته ناقشت معه بعض الامور وكان طبيعا فلم يتوقع احد قط هذه حادثة المفاجئة الذي وقعت علينا كالصاعقة من دون اي مقدمات.
عنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.
صحيح البخاري
قبل اربعة اشهر من وفاته:
ادى الوالد يرحمه الله مناسك الحج للمرة الثالثة مع اخي الاصغر
وكان فخورا به لدرجة انه اثناء التقصير حلق لأخي وعلمه كيفية الحلاقة وعندما باشر اخي بحلاقة الوالد نزل دم كثير من رأسه لعدم تمكن اخي من مسك الموس بطريقة الصحيحة
فشعر بالذنب الا ان الوالد يرحمه الله رد عليه انه مسرور بحلاقته ولا يريد ان يحلق من غيره
وهو يبكي فرحا ودموعه تنهمر من عينيه. نعم لقد كان فخورا بنجله الاصغر فقد كان يرافقه و يرعاه في جمع مناسك الحج علما
بأن الوالد كان في قمة عافيته وأراد الحج لوحدة الا اني اقنعت اخي بأن لا يفوت فرصة الأجر والثواب خاصة لعدم ارتباطه وانشغاله حينها.
قبل يوم من وفاته يرحمه الله:
سبحان الله انما الاعمال بالخواتيم, قبل يوم واحد من وفاته زار جميع الاهل في المحرق لا بل لم يلتقي بأحدهم فخبره اهله
بأنه سيتواجد في بيت (...) فليمر عليه حين يصل لانه اراد ان يراه ويسلم عليه قبل ان يرجع الى البيت.
وفي زيارته الاخيرة هذه تبرع الوالد بمبلغ كبير مقارنةً براتبه التقاعدي لبناء مسجد في احد الدول الفقيرة وقد سلم المبلغ شخصيا الى اختي لتوصيله.
احلام ورؤى حدثت الى وقت كتابة هذا المقال
- صديق الوالد في المسجد ( بو سعد )
رأى في المنام ان الوالد يرحمة الله في المسجد وامامة سفرة طويلة فيها انواع كثيرة من الاطعمة والوالد جالس يأكل منها
ويضحك فإستغرب وقال للمصلين في المسجد ان ابا عبدالله حي يا جماعة وهاهو امامكم . فإستعلم شيخ لتفسير الحلم فرد عليه
ابشر اهلة بأن اباهم بخير وهذا الكلام قاله لي شخصيا في المسجد بعد ان بشره الشيخ مباشرة ً.
- رفيق الوالد في الحي ابراهيم ( بو خليل)
رأى في المنام انه يأتيه رجل لا يعرفة ولم يره من قبل يعطيه عشه فيها مجموعة من فراخ العصافير ويقول له هذه امانة اوصلها الى ولده عبدالله فسأله ماذا عن ابوه فرد عليه
لا عليك فقط اوصل هذه. وتفسير الحلم بأني اوكل على مسؤولية او يقع على عاتقي امانة ومن يومها وانا ادعو الله بأن يصبرني ويقويني عليها (والله اعلم)
- قريبة من الاهل
رأت في المنام بان الوالد يرحمه الله يستضيفها ويعطيها نوع من الحلوى الغريبة الشكل والكبيرة الحجم.
هذا فيض من غيض لما عندي من ذكريات وآثار طيبة خلفها هذا الوالد القائد المعلم الذي ابى ان يرحل الا وان يترك بصمة واضحة في حياتنا تقودنا الى الصلاح بعد رحيله,
هذه هي خاتمة والدي عبدالله مراد الذي وافته المنية يوم الاثنين 21 ربيع الثاني 1429 الموافق 28 ابريل 2008
والد كل من عبدالله , عبدالناصر, محمد و طارق الذي ورى جثمانه الثرى في مقبرة المحرق بعد صلاة العصر وكان الحدث كالصاعقة بالنسبة لنا ،
لكن تقواه وصلاته مع الجماعة دائماً في المسجد ووفاته بعد صلاة الفجر في طريق عودته سببٌ يطمئن أفئدتنا على مكانه
بإذن الله ونقول الحمد لله رب العالمين وإنا لله وإنا اليه راجعون،
اللهم نسألك أن ترزقنا الصبر الجميل على فراقه ونسأل الله ان يحشره مع النبيين والصديقين والصالحين.
عبدالله عبدالله مراد
يا نفـــسي توبي فـــإن الـمــوت قـد حــانـا
واعـصي الهوى فإن الهوى ما زال فـتانا
إمـا تـريــن الـــــمـنايـا كــيف تـلـقـــطـنـا
لــقـطاً وتـلحـــــق آخــــــــــرنا بـأولانــا
في كـــــل يــوم لـــــنا مـيــت نـشـيـــعـه
ننـــسى بمـــــــصرعه آثـــــار مـوتــانـا
يـــا نفــسي مـالـي وللأمـــوال أكــنـزهــا
خــلـفي وأخــرج مــن الـــدنـيا عــريـانــا
مــــــا لــنا نتــعامى عــن مــــصارعـنــا
ننــــسى بـغـفـلـتـنا مـن ليــــــس ينـسـانـا
للهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها و اجعل خير أيامنا يوم لقائك وانت راض عنا
سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين]